ابن خلدون

375

تاريخ ابن خلدون

إليه سرحه في العساكر لحصار جربة وكان أهلها قد نقموا على ابن مكي سيرته فيهم ودسوا إلى أبي محمد بن تافراكين بذلك فسرح إليه ابنه في العساكر سنة ثلاث وستين وكان أحمد بن مكي غائبا بطرابلس قد نزلها منذ ملكها من أيدي النصارى وجعلها دارا لامارته فنهض العسكر من الحضرة لنظر أبى عبد الله بن الحاجب أبى محمد ونزلوا في الأسطول فطلعوا بالجزيرة وضايقوا القشتيل بالحصار إلى أن غلبوا عليه وملكوه وأقاموا به دعوة صاحب الحضرة واستعمل عليه أبو عبد الله ابن تافراكين كاتبه محمد بن أبي القاسم بن أبي العيون كان من صنائع الدولة منذ العهد الأول وكانت لأبيه قرابة من أبى عبد العزيز الحاجب ترقى بها إلى ولاية الاشغال بتونس مناهضا لأبي القاسم بن طاهر الذي كان يتولاها يومئذ فكان رديفه عليها إلى أن هلك ابن طاهر فاستبد هو بها منذ أيام الحاجب أبى محمد واتصل ابنه محمد هذا بخدمة ابن الحاجب واختص بكاتبه إلى أن استعمله على جربة عند استيلائه عليها هذه السنة وانكفأ راجعا إلى الحضرة فلم يزل محمد بن أبي العيون واليا عليها ثم استبد بها على السلطان بعد مهلك الحاجب وقرار يده على السلطان إلى أن غلبه عليها السلطان أبو العباس سنة أربع وسبعين كما نذكره إن شاء الله * ( الخبر عن دعوة الأمراء من المغرب واستيلاء السلطان أبى العباس على قسنطينة ) * لما هلك السلطان أبو عنان قام بأمره من بعده وزيره الحسن بن عمر ونصب ابنه محمد السعيد للامر كما نذكره في أخباره وكان يضطغن للأمير أبى عبد الله صاحب بجاية فقبض عليه لأول أمره واعتقله حذرا من وثوبه على عمله فيما زعموا وكان السلطان أبو العباس بسبتة منذ أنزله السلطان أبو عنان بها ورتب عليه الحرس كما ذكرنا فلما انتزى على الملك المنصور بن سليمان من أعياص ملكهم ونازل البلد الجديد دار الملك ودخل في طاعته سائر الممالك والاعمال بعث في السلطان أبى العباس واستدعاه من سبتة فنهض إليه وانتهى في طريقه إلى طنجة ووافق في ذلك إجازة السلطان أبى سالم من الأندلس لطلب ملكه وكان أول ما استولى عليه من أعمال المغرب طنجة وسبتة فاتصل به السلطان أبو العباس وظاهره على أمره إلى أن نزع إليه قبيلة بنى مرين عن منصور بن سليمان المنتزى على ملكهم فاستوسق أمره واستثبت سلطانه ودخل فاس وسرح الأمير أبا عبد الله من اعتقال الحسن بن عمر كما قدمناه ورعى للسلطان أبى العباس ذمة سوابقه القديمة والحادثة فرفع مجلسه وأسنى جرايته ووعده بالمظاهرة على امره